الجاحظ
123
كتاب البغال
عشقها ، وأنه لم يأتها إلّا على شهوة الذّكر للأنثى ، أو شهوة الأنثى للذّكر . وقيل لعمرو بن عبيد « 1 » : أيكون أن يصرع شيطان إنسانا ؟ قال : لو لم يكن ذلك لما ضرب اللّه به المثل لآكل الرّبا حيث يقول : الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِّ . فهذا شيء واضح . قال : ثم وقفنا على رجل مصروع ، فقلت له : أرأيت هذا الصّرع ، تزعم أنه من شيطانه ؟ قال : أمّا هذا بعينه فلا أدري أمن فساد مرّة وبلغم ، أم من شيطان ؛ وما أنكر أن يكون خبط شيطان وصرعه ، وكيف لا يجوز ذلك مع ما سمعنا في القرآن ؟ . قال : وسمعته ، وسأله سائل عن رجل هام على وجهه ، مثل عمرو بن عديّ صاحب جذيمة الوضاح « 2 » ، ومثل عمارة بن الوليد « 3 » ، وطالب بن أبي طالب ، فقال : قد قال اللّه : كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّياطِينُ فِي الْأَرْضِ . وأنا أعلم أنّ في الناس من قد استهوته الشياطين ، ولست أقضي على الجميع بمثل ذلك . وقد قالوا في الغريض المغنّي « 4 » ، وسعد بن عبادة وغيرهما ، وهذا عندنا قول عدل .
--> ( 1 ) عمرو بن عبيد : أحد مؤسسي الاعتزال مع واصل بن عطاء توفي سنة 142 ه . ( 2 ) هو جذيمة بن مالك بن فهم بن عمرو بن دوس بن الأزد . كان ثاني ملوك الحيرة . وأول ملوكها أبوه مالك بن فهم . وسمي الوضاح لوضح كان به ، أي برص . ويسمى « الأبرش » أيضا لذلك . ( 3 ) هو عمارة بن الوليد بن المغيرة ، وهو الذي نزل فيه قول اللّه : ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً كافرا ، لأن قريشا بعثته إلى النجاشي فجرت له معه قصة ، فأصيب بعقله وهام مع الوحش » . ( 4 ) الغريض لقب له ؛ لأنه كان طري الوجه غض الشباب . واسمه عبد الملك . وكان من الموالي ، ونشأ خياطا ثم أخذ الغناء بمكة عن ابن سريج وذكر أن الجن نهته أن يغني لحنه الذي قول فيه : تشرب لون الرازقي بياضه * أو الزعفران خالط المسك رادعه فمكث على ذلك دهرا ، فلما أغضبه مواليه تغناه ، فقتلته الجن في ذلك .